السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
58
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
يكون للعاقل ، فيدل مجموع الآيات على أنه تعالى مالك جميع ما ومن في السماوات والأرض العاقل وغيره ، النّامي والجامد وغيرهما من كل ما يطلق عليه جماد وحساس ، وإذا كان العقلاء في ملكه فلأن يكون غيرهم في قبضته من باب أولى ، وإذا علمت هذا ظهر لك أن ما يعبده المشركون من الأوثان في ملكه وتحت تصرفه ، فجعلها شركاء له معبودة من دونه من القدح بمكان بالنسبة لمقام الربوبية الفردة الحقة . قال تعالى « وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ » مفعول يدعون قبله ، ومفعول يتبع مقدر تقديره شيئا غير أهواءهم وتسميتهم لأن شركة اللّه تعالى في ربوبيته محالة ، وهذا على أن ما في يتبع نافية وهو الأولى في المقام والأنسب في المعنى ، وقد ذكر صاحب الجمل رحمه اللّه وجوها أخرى في معنى ما ، وتفسير هذه الآية . وجعل الشربيني عفا اللّه عنه مفعول وما يتبع الذين يدعون من دون اللّه شركاء شركاء أيضا ، وصدر قوله هذا بقوله ( وكان حقه وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ) شركاء وأراه متجاوزا في قوله هذا ، لأن الحق ما قاله ربه لا ما جرى عليه هو وغيره ، راجع الآية 5 من سورة الحج والآية 108 من سورة التوبة في ج 3 ، وهو خلافا لما جرينا عليه من أن مفعول يتبع الذي قدرناه تبعا لغيرنا ( شيئا ) إذ يدل عليه قوله تعالى « إِنَّ » أي ما « يَتَّبِعُونَ » في الحقيقة « إِلَّا الظَّنَّ » على توهم شفاعتها لهم « وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ 66 » يحزرون ويقدرون شركة اللّه تعالى تقديرا باطلا وكذبا محضا ، فتبّا لما يتبعون ، وتعسا لما يزعمون ، وقبحا لما يفعلون ، ويؤسا لما يكذبون ، وإفكا بحتا لما يفترون . ثم نبه جل شأنه على عظيم قدرته وشمول نعمته وأنه الذي يستحق العبادة وحده بقوله « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ » فتستريحوا من أتعابكم التي قاسيتموها في النهار « وَالنَّهارَ » جعله « مُبْصِراً » لتنصرفوا فيه إلى أعمالكم وتأمين معاشكم والنهار يبصر فيه لا يبصر هو إلا أن معناه مفهوم في كلام العرب فخاطبهم بلغتهم ، قال جرير : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم أضاف النوم إلى الليل ووصفه به وعنى نفسه ولم يكن هو نائما ولا بعيره ،